تداولت حسابات على منصة إكس وعدد من المواقع الإلكترونية، خلال الفترة بين 17 و21 يوليو/تموز 2026، ادعاءات تزعم أن ميناء الحديدة غربي اليمن يتعرض لـ”حصار” تفرضه السعودية.
واستندت المنشورات إلى تصريحات منسوبة لرئيس الوفد المفاوض التابع لجماعة الحوثي، محمد عبدالسلام، قال فيها إن “النظام السعودي يقف وراء الحصار البحري على ميناء الحديدة، وصناعة التعقيدات التي تضاعف الكلفة المادية للمواد المستوردة وأسعارها”.
وجاء تداول هذه الادعاءات في سياق تصاعد التوتر بين جماعة الحوثي والسعودية، عقب منع القوات الجوية الحكومية اليمنية، المدعومة من تحالف دعم الشرعية، طائرة إيرانية من الهبوط في مطار صنعاء مساء 13 يوليو/تموز 2026، ثم منعها لاحقًا من عبور الأجواء اليمنية.
وفي 21 يوليو/تموز أعلنت جماعة الحوثي فرض ما وصفته بـ”حظر الملاحة البحرية” على السعودية، مبررة ذلك بما قالت إنه رد على “حصار سعودي شامل” للموانئ والمطارات اليمنية برا وبحرا وجوا، قبل أن تعلن استهداف ناقلتي نفط قالت إنهما تحملان شحنات نفط سعودية.
وفي خضم هذه التطورات، روجت المنشورات لرواية مفادها أن السعودية تفرض حصارا بحريا على ميناء الحديدة، يتمثل في منع أو عرقلة وصول السفن التجارية إلى الميناء، وإطالة إجراءات تفتيشها، بما أدى -بحسب الادعاء- إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد وأسعار السلع.
خريطة انتشار الادعاء
أظهر تتبع مسار النشر أن حساب قناة المسيرة على منصة إكس كان من أوائل الحسابات التي نشرت الادعاء بصيغته الأساسية، إذ نشر تصريح محمد عبدالسلام الذي يتهم السعودية بالوقوف وراء “الحصار البحري” على ميناء الحديدة. ويبلغ عدد متابعي الحساب نحو 219 ألفا، فيما حصد المنشور أكثر من ألف إعجاب و558 إعادة نشر، ما أسهم في توسيع نطاق انتشار الرواية.

كما رصدنا إعادة نشر الادعاء بالنص ذاته أو بصياغة متطابقة عبر عدد من الحسابات الأخرى والمواقع الإلكترونية (1، 2، 3، 4، 5)، وفي فترات زمنية متقاربة، مع الحفاظ على المفردات نفسها. ويشير هذا النمط إلى وجود تنسيق في إعادة تدوير الادعاء، أو الاعتماد على مصدر واحد جرى اقتباسه بصورة متزامنة، وهو ما عزز سرعة انتشار الادعاء وتكراره.
وفي سياق متصل، نشر حساب يحيى المحطوري، الذي يتابعه نحو 69.5 ألف مستخدم، تغريدة جاء فيها: “ميناء الحديدة ليس في أصفهان، ومطار صنعاء ليس في طهران، ورفع الحصار عنهما لا علاقة له بخدمة إيران”. وحصدت التغريدة 653 إعجابًا و200 إعادة نشر.

كما تداول حسابا “المسيرة عاجل” و”قناة المسيرة” على منصة إكس تصريحا منسوبا إلى نائب رئيس الهيئة العليا للأدوية، زعم فيه أن ” بعض الأدوية تظل في جيبوتي لأربعة أشهر وأكثر ما ينعكس في ارتفاع أسعارها على المرضى”.
تفنيد الادعاءات
أظهرت بيانات تتبع حركة السفن عبر منصة VesselFinder، بتاريخ 24 يوليو/تموز 2026، استمرار نشاط الملاحة في موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، مع وجود سفن راسية داخل الموانئ، إلى جانب تسجيل حركة وصول ومغادرة شبه يومية للسفن، وهو ما يتعارض مع الادعاء بوجود حصار يمنع السفن من الوصول إلى ميناء الحديدة.

وتتوافق هذه البيانات مع سجلات آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في اليمن (UNVIM)، التي أظهرت استمرار حركة السفن التجارية إلى الموانئ الثلاثة خلال النصف الأول من عام 2026، دون مؤشرات على توقف الملاحة أو إغلاق الموانئ.

وبحسب أحدث تقارير آلية الأمم المتحدة، الصادر في يونيو 2026، شهدت موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى تفريغ 864,425 طنًا من البضائع، عبر 30 سفينة أتمت عمليات التفريغ وغادرت الموانئ بنجاح.
خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، استقبلت الموانئ الثلاثة 190 سفينة أفرغت حمولتها وغادرت، بمتوسط 31 سفينة شهريًا. واستحوذ ميناء الحديدة وحده على 82 سفينة، بما يعادل 43.2% من إجمالي حركة السفن، يليه ميناء الصليف بـ55 سفينة (28.9%)، ثم ميناء رأس عيسى بـ53 سفينة (27.9%).

كما سجلت الموانئ خلال الفترة نفسها تفريغ أكثر من 4.6 ملايين طن من البضائع المختلفة، شملت الأغذية والوقود والأدوية والبضائع، ما يعكس استمرار تدفق الواردات عبر موانئ الحديدة بصورة منتظمة.
لا تُظهر تقارير آلية الأمم المتحدة وجود منع ممنهج لوصول السفن التجارية إلى موانئ الحديدة؛ إذ بلغ عدد طلبات التصاريح المقدمة خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، 180 طلبًا، فيما أصدرت الآلية 199 شهادة تخليص (تشمل طلبات تم ترحيل معالجتها من فترات سابقة)، وأفرغت 190 سفينة حمولتها وغادرت الموانئ. تعكس هذه المؤشرات استمرار مرونة وتدفق عمليات دخول السفن وتفريغ البضائع بشكل منتظم ودون عوائق رئيسية.
أوقات التخليص
زعمت الادعاءات المتداولة، أن السفن تواجه تعقيدات تؤخر وصولها إلى الميناء، إلا أن بيانات UNVIM تظهر أن متوسط زمن التخليص المسبق بلغ نحو 34 ساعة خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، وتراوح المتوسط الشهري بين 29 و41 ساعة.
أما بيانات خلية الإخلاء والعمليات الإنسانية (EHOC) فأظهرت متوسطا بلغ 41 ساعة، مع تسجيل ارتفاع استثنائي خلال فبراير، إذ وصل الحد الأقصى لبعض الحالات إلى 484 ساعة، قبل أن تعود أوقات التخليص إلى مستوياتها المعتادة خلال الأشهر اللاحقة.
أما بالنسبة لأوقات الانتظار والتأخير في الرصيف والمخطاف في ميناء جيبوتي فقد حقق النصف الأول من عام 2026 تحسناً تشغيلياً، حيث تراجع إجمالي فترات التأخير والانتظار بمقدار 356 يوما (أي بنسبة تحسن تقارب 50%) مقارنة بنفس الأشهر الستة من عام 2025 بمقدار 701 يوما.
جدول مدة التأخير والانتظار بالأيام في منطقتي المخطاف والرصيف بميناء جيبوتي خلال النصف الأول للعامي 2026 و2025
| إجمالي تأخير | رصيف التفريغ | انتظار المخطاف | إجمالي تأخير | رصيف التفريغ | انتظار المخطاف | نوع السفينة | الشهر |
| 2025 | 2026 | ||||||
| 20 | 6 | 14 | 29 | 18 | 11 | مواد غذائية | يناير |
| 60 | 16 | 44 | 63 | 19 | 44 | وقود | |
| 40 | 14 | 26 | 17 | 14 | 3 | بضائع أخرى | |
| 51 | 8 | 43 | 8 | 3 | 5 | مواد غذائية | فبراير |
| 116 | 18 | 98 | 22 | 11 | 11 | وقود | |
| 42 | 9 | 33 | 8 | 4 | 4 | بضائع أخرى | |
| 51 | 8 | 43 | 9 | 3 | 6 | مواد غذائية | مارس |
| 29 | 11 | 18 | 17 | 4 | 13 | وقود | |
| 86 | 9 | 77 | 9 | 3 | 6 | بضائع أخرى | |
| 13 | 6 | 7 | 6 | 2 | 4 | مواد غذائية | أبريل |
| 55 | 16 | 39 | 27 | 5 | 22 | وقود | |
| 19 | 8 | 11 | 13 | 10 | 3 | بضائع أخرى | |
| 35 | 14 | 21 | 5 | 2 | 3 | مواد غذائية | مايو |
| 17 | 10 | 7 | 41 | 14 | 27 | وقود | |
| 29 | 13 | 16 | 13 | 4 | 9 | بضائع أخرى | |
| 42 | 12 | 30 | 6 | 3 | 3 | مواد غذائية | يونيو |
| 20 | 16 | 4 | 39 | 8 | 31 | وقود | |
| 25 | 7 | 18 | 13 | 4 | 9 | بضائع أخرى | |
إلا أن بيانات آلية الأمم المتحدة تشير إلى وصول شهري منتظم لحاويات الأدوية والمستلزمات الطبية؛ حيث بلغ مجموع الحاويات الطبية التي خضعت للتفتيش في جيبوتي وسُمح بدخولها إلى موانئ الحديدة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 441 حاوية.
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن إجراءات التفتيش والتخليص شهدت تفاوتا في مدد إنجاز بعض المعاملات، مع تسجيل حالات تأخير محدودة، إلا أنها لا تثبت وجود تعطيل شامل أو إغلاق للموانئ أو منعٍ مستمر لوصول السفن إلى موانئ الحديدة؛ كما يروج له الادعاء.
يذكر أن UNVIM هي آلية أنشأتها الأمم المتحدة عام 2016، بناءً على طلب الحكومة اليمنية، لتسهيل دخول السلع التجارية والمواد الأساسية إلى موانئ البحر الأحمر، مع التحقق من التزام السفن بقرار مجلس الأمن رقم 2216 ومنع تهريب الأسلحة. وتتولى الآلية مراجعة طلبات السفن وإصدار تصاريح الدخول للموانئ بعد استكمال إجراءات التحقق.
وبناء على بيانات حركة الملاحة وتقارير الأمم المتحدة، لا يوجد ما يثبت وجود حصار بحري شامل على موانئ الحديدة بالمعنى الذي تروج له الادعاءات المتداولة. إذ تشير البيانات إلى استمرار وصول السفن وتفريغ البضائع وإصدار تصاريح الدخول بشكل منتظم، مع وجود تفاوت محدود في بعض إجراءات التفتيش والتخليص.


