بدا عام 2025 مختلفا من حيث موجات التضليل، وتداخل الأخبار بالمواقف والسرديات والأحداث المتتابعة، وخلاله واصلت منصة حقيقة عملها كمساحة تحقق مستقلة تحاول مواجهة الادعاءات، ووضع الخبر في سياقه الصحيح وفقا لخلفياته والنتائج النهائية لعملية التحقق.
لا يأتي هذا التقرير بوصفه سجل إنجازات بقدر ما هو قراءة لمسار عام من العمل في بيئة إعلامية يمنية شديدة التعقيد، حيث لا تكون المعلومة الخاطئة مجرد خطأ مهني، بل عاملا مؤثرا في الوعي العام، وسببا من أسباب الفرز المناطقي والمذهبي، وذريعة لخطاب الكراهية والعنف.
ضرورة لا ترف
منذ انطلاقتها في أغسطس 2021، بنت منصة حقيقة نموذجها التحريري على فرضية بسيطة: الخبر لا يُؤخذ كما هو، بل يُفكك ويخضع للتحقق. وخلال الأعوام من 2021 إلى 2024، راكمت المنصة إنتاجا واسعا شكّل الأساس لما أُنجز في 2025، سواء على مستوى الكم أو تعقيد القضايا التي جرى العمل عليها.
الإحصائيات السنوية تكشف مسارا تصاعديا في حجم العمل ونوعيته؛ إذ أنتجت المنصة عشرات المواد توزعت بين مضللة وزائفة وحقيقية وساخرة، مع تركيز متزايد على الادعاءات المرتبطة بالخطاب السياسي، والاقتصاد، وسياقات الحرب وإفرازاتها الاجتماعية والثقافية.

في 2025، لم يكن التحدي في عدد المواد بقدر ما كان في طبيعتها: ادعاءات أكثر تركيبا، وسرديات متداخلة، ومصادر يصعب تتبعها. كما كان للتقلبات التي شهدتها البلاد تأثيرا مباشرا على طبيعة التضليل ونوعيته إذ تعرضت صنعاء ومناطق سيطرة جماعة الحوثي لغارات جوية أمريكية وإسرائيلية، تبعتها أحداث حضرموت والمهرة في مناطق سيطرة الحكومة، وما بينهما كان الوضع الإنساني والاقتصادي في حالة صعبة نتيجة لشحة التمويل وتوقف عدد من المشاريع التي كانت تعتمد في تمويلها على المنح الدولية والأمريكية تحديدا.
عام حافل
بعيدا عن اللغة الوصفية، تكشف إحصائيات الإنتاج خلال 2025 صورة أوضح عن طبيعة العمل. فخلال العام، نشرت منصة حقيقة 169 مادة تحقق، توزعت زمنيا بشكل غير متساوٍ، بما يعكس ارتباط حجم العمل بسياق الأحداث لا بخطة نشر ثابتة.
سُجّل أعلى نشاط تحققي خلال الأشهر الممتدة من أبريل حتى أكتوبر، مع ذروة واضحة في أغسطس وسبتمبر، حيث بلغ عدد المواد في كل منهما أكثر من 20 مادة، في مقابل تراجع نسبي خلال فبراير ومايو. هذا التفاوت الزمني يعكس طبيعة العمل القائم على الاستجابة لتصاعد موجات التضليل، لا على إنتاج دوري مفصول عن الواقع.
ومن حيث التصنيف، تُظهر البيانات أن غالبية المواد المنشورة انصبت على تفنيد ادعاءات مضللة وزائفة، مقابل عدد أقل من المواد التي انتهت بتأكيد صحة الادعاء أو تصنيفه في سياق ساخر. وهو ما يشير إلى استمرار هيمنة المحتوى الإشكالي على الفضاء العام، وإلى أن مهمة التحقق ما تزال في جوهرها عملا تصحيحيا لا توثيقيا.
كما تكشف الأرقام عن انتقال تدريجي في طبيعة الادعاءات التي جرى التعامل معها، من محتوى مباشر وسهل التفكيك إلى سرديات أكثر تركيبا، تتطلب وقتا أطول في البحث، وتعددا في المصادر، وتحققا سياقيا يتجاوز فحص النص أو الصورة.
في الميدان
إلى جانب العمل التحريري، واصلت منصة حقيقة خلال 2025 دورها في بناء قدرات الصحفيين ومدققي المعلومات وطلبة الإعلام، انطلاقا من قناعة بأن مواجهة التضليل لا تتحقق فقط بنشر مواد التحقق، بل بتوسيع دائرة من يمتلكون أدواته.
وخلال الفترة من أيلول سبتمبر إلى تشرين الثاني نوفمبر 2025، ساهمت المنصة في تدريب نحو 400 مشارك ضمن مشروع “AI بالعربي”، في امتداد لمسار تدريبي بدأ منذ سنوات وبلغ عدد المستفيدين منه إجمالا نحو 600 متدرب منذ 2021.

على مستوى الشراكات، حافظت المنصة على حضورها ضمن الشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN) ومجتمع التحقق العربي (AFH)، مع الاستفادة من النشر المتزامن، والمشاركة في الحملات التوعوية المشتركة، وتطوير المحتوى بما يتماشى مع سياسات التصحيح والمعايير المهنية المعتمدة.

حضور محلي وعربي
في 1 و2 كانون الثاني ديسمبر 2025، شاركت منصة حقيقة في ورشة عمل متخصصة حول التحقق من المعلومات ومكافحة التضليل، أُقيمت في مدينة تعز ونفذها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي بدعم من الاتحاد الأوروبي. جاءت هذه المشاركة في سياق الانفتاح على المبادرات المحلية، ونقل خبرة التحقق إلى المؤسسات والمحافظات الأخرى.
وشكّلت الورشة مساحة لتبادل الخبرات العملية مع الصحفيين والعاملين في الإعلام، خصوصا في ما يتعلق بتحديات التحقق في السياقات المحلية، وأخلاقيات التعامل مع المحتوى المضلل في بيئات النزاع.

لم يقتصر حضور منصة حقيقة خلال 2025 على الفضاء المحلي، بل امتد إلى المشاركة في الفعاليات المهنية الإقليمية، بوصفها فرصة لتمثيل التجربة اليمنية في مكافحة المعلومات المضللة، وتبادل الخبرات مع صحفيين ومؤسسات من المنطقة.
شاركت المنصة في مؤتمر أريج للصحافة الاستقصائية الذي انعقد في العاصمة الأردنية عمّان خلال الفترة من 5 إلى 7 ديسمبر 2025، في سياق يرسّخ حضورها السنوي في هذا المحفل منذ عام 2021.

أتاحت هذه المشاركة عرض تجربة التحقق في سياق نزاع، وبناء علاقات مهنية جديدة، والاطلاع على أحدث النقاشات والأدوات في مجالي الصحافة الاستقصائية وتدقيق المعلومات، بما ينعكس على تطوير العمل التحريري للمنصة داخل اليمن.
يقدّم عام 2025 صورة أوضح لمسار منصة حقيقة بوصفها مشروعا صحفيا يسعى إلى العمل على المعلومة والتأكد من حقيقتها لا إعادة تدويرها. ومع استمرار تعقيدات المشهد الإعلامي اليمني، تواصل المنصة عملها على تفكيك الادعاءات، وتوسيع دوائر المعرفة، وترسيخ التحقق كجزء أصيل من الممارسة الصحفية، لا كأداة طارئة لمواجهة الأزمات فقط.


