في مارس آذار الماضي، ومع إعلان ترشيح جميلة علي رجاء لمنصب سفيرة اليمن لدى الولايات المتحدة، لم يكن المشهد محصوراً في نقاش سياسي حول الاستحقاق، بل سرعان ما انزلق إلى حملة تضليل وتشويه واسعة، بدأت بسرديات ربطتها بانتماءات سياسية لجماعة الحوثي وأخرى شككت في كفاءتها المهنية، قبل أن تتوسع إلى حد النيل من وطنيتها.
وبين لحظة الإعلان وتصاعد المحتوى المتداول، تحول النقاش من تقييم مهني إلى ضغط إعلامي منظم، يكشف كيف يمكن للمعلومات المضللة أن تُستثمر كأداة استهداف، خاصة حين يتعلق الأمر بامرأة في موقع عام.
خريطة الادعاءات
تُظهر خريطة الادعاءات المتداولة ضد جميلة علي رجاء أن أبرز ما جرى ترويجه تمحور حول التشكيك في انتمائها السياسي، من خلال ربطها بجماعة الحوثي، إلى جانب ادعاءات تمس كفاءتها ومكانتها كامرأة في موقع عام، إضافة إلى خطاب يتجاوز البعد السياسي نحو الطعن في الهوية والسياق الاجتماعي.

بدأ انتشار هذه الادعاءات بعد منتصف مارس آذار واستمر حتى 12 أبريل نيسان 2026، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن ترشيحها لمنصب دبلوماسي، ما ساهم في سرعة تداول المنشورات وارتفاع مستوى التفاعل من قبل المتابعين خلال فترة زمنية قصيرة.
وانتشرت هذه المعلومات المتضاربة عبر منصتي إكس وفيسبوك، إضافة إلى مجموعات في واتساب، من خلال حسابات شخصية وغير موثقة في معظمها، إلى جانب بعض الحسابات ذات الطابع السياسي، وبحسب عينة الرصد من قبل معدة التقرير، توزعت المنشورات بواقع 5 منشورات على منصة إكس، و4 منشورات على فيسبوك، مع تداول محتوى مشابه في مجموعات واتساب المغلقة.
وتُعد منصة إكس الأكثر نشاطاً من حيث عدد المنشورات وسرعة انتشارها، مقارنة بفيسبوك الذي اتسم التفاعل فيه بزخم أطول زمنياً عبر التعليقات وإعادة النشر.

وأظهرت المراجعة وجود تشابه واضح في الصياغات وتكرار للمحتوى نفسه بصيغ متعددة، ما يشير إلى نمط إعادة نشر وتداول منسق أكثر من كونه محتوى فردي مستقل، مع تكرار عبارات مثل: “حوثية”، “تنتمي للحوثيين”، “غير وطنية”، “لا تمثل اليمن”، و”كيف تُعيَّن في واشنطن؟”، إضافة إلى عبارات ذات طابع تحريضي مثل “خطر على الدبلوماسية”، وهو ما يعكس نمطاً لغوياً قائماً على التكرار لإضفاء مصداقية زائفة.
وعلى مستوى الحسابات، أظهرت عينة الرصد تفاوتاً في حجم التأثير، فعلى منصة إكس، نشر حساب مأرب الورد (أكثر من 147 ألف متابع) فيديو لجميلة علي رجاء حقق نحو 110 ألف مشاهدة وأكثر من 200 تفاعل، تساءل الورد في منشوره عن ماذا كانت تطالب رجاء قبل 11 عاما، ويظهر الفيديو حديثا لها في مقابلة مع قناة اليمن اليوم عن مقترح لها عندما كانت عضواً في فريق صعدة خلال مؤتمر الحوار الوطني باستيعاب أنصار الله الحوثيين في الجيش اليمني.

كما نشر حساب عبدالقادر أبو الليم (127 ألف متابع) تغريدة اتهم فيها رجاء بالانتماء للحوثيين، حققت نحو 9 آلاف مشاهدة وأكثر من 300 تفاعل، مع أكثر من 140 إعادة نشر.

تفنيد الادعاءات
تكشف مراجعة عينة من المنشورات المتداولة على منصتي إكس وفيسبوك أن الاتهامات الموجهة لجميلة علي رجاء، سواء بالانتماء للحوثيين أو التشكيك في وطنيتها، لا تستند إلى مصادر موثوقة أو وثائق رسمية، بل تقوم في معظمها على تأويلات فردية وسرديات غير مدعومة.
ويظهر تحليل المحتوى أن جزءاً من هذه الروايات استند إلى اقتطاع مواقف أو أدوار سابقة من سياقها الزمني، خصوصاً ما قبل عام 2015، ثم إعادة تقديمها داخل إطار سياسي مختلف، بما يغير دلالتها الأصلية، كما يلفت النظر تكرار العبارات والصيغ نفسها عبر حسابات متعددة دون إحالة إلى مصادر واضحة، وهو ما يعكس نمطاً قائماً على إعادة التداول والتأثير بالتكرار أكثر من اعتماده على التحقق.
وشغلت رجاء قبل هذا منصب نائب رئيس هيئة التشاور والمصالحة في البلاد، وكانت عضواً في فريق قضية صعدة ممثلة للنساء خلال مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد عام 2013، وعملت كمستشارة لأصحاب المصلحة المشاركين بجهود السلام في اليمن، بما في ذلك ألمانيا والمملكة المتحدة والأمم المتحدة.

كما أسست شركة استشارات خاصة تعمل بصورة وثيقة مع الوكالات الإنسانية والتنموية الدولية والإقليمية، ويدور عملها الاستشاري الأخير حول إعادة إحياء مؤسسات الدولة والمعايير الانتقالية لإعادة البناء الوطني.
وتعد السفيرة جميلة علي رجاء عضواً في فريق الإصلاحات الاقتصادية منذ تشكيله في مارس آذار 2012 إلى جانب نخبة من القطاع الخاص من رجال أعمال وسيدات أعمال وخبراء اقتصاديين.
في هذا السياق، يرى الصحفي ومدقق المعلومات بسام غبر أن هذا النوع من المحتوى يعتمد على إعادة تفسير مجتزأ للوقائع بما يخدم روايات جاهزة، ويستند إلى الإيحاء والتكرار بدلاً من تقديم أدلة قابلة للتحقق.
خلفيات التصعيد
يرى الدكتور والخبير في الأمن السيبراني معاذ الصوفي أن ما جرى لا يمكن قراءته كحالة فردية معزولة، بل يأتي ضمن نمط أوسع من الاستهداف الرقمي الذي تتعرض له النساء في الفضاء العام، تقوده – بحسب وصفه – جهات ذات دوافع أيديولوجية، إلى جانب حسابات غير حقيقية أو ما يشبه شبكات تضليل، تعتمد على إعادة نشر المحتوى نفسه بشكل متزامن ورفع وتيرة تداوله خلال فترات زمنية قصيرة.
ويشير الصوفي إلى أن خطورة هذه الحملات لا تتوقف عند حدود التشويه السياسي، بل تمتد إلى إنتاج خطاب كراهية وتمييز يضغط على حضور المرأة في المجال العام، في ظل غياب أدوات مؤسسية كافية لمواجهة العنف الرقمي.
في السياق نفسه، توضح مستشارة الإعلام بهيئة الأمم المتحدة للمرأة في اليمن وداد البدوي أن تصاعد هذه الحملات غالباً ما يتزامن مع لحظات إعادة توزيع النفوذ داخل المشهد السياسي، خصوصاً عند الحديث عن المناصب السيادية، حيث تتحول لحظة تسريب أو إعلان الترشيحات إلى نقطة ضغط تُستثمر للتأثير على مسار القرار أو تعطيله.
من جانبه، يرى نشوان العثماني مدير تحرير منصة يمن فيوتشر أن توقيت الحملة المرتبط بتسريب خبر الترشيح يعكس نمطاً أقرب إلى التحرك المنظم في الفضاء الرقمي، هدفه التأثير على القرار أو إرباكه عبر تضخيم الجدل قبل اكتمال مسار التعيين.

كما يشير إلى أن ما جرى اعتمد على إعادة تدوير محتوى قديم خارج سياقه الزمني وإعادة طرحه في لحظة الترشيح، بما يعكس توظيفاً واضحاً للمشهد الرقمي في التأثير على القرار أو محاولة تعطيله، ضمن صراع غير معلن بين تمرير التعيين ومحاولات تقويضه أمام الرأي العام.
